ارتفاع اليوروبوند اللبناني: انتعاش مالي أم مضاربة على أنقاض الدولة؟
الأسواق المالية
محمد فحيلي
شهدت السندات السيادية اللبنانية المقوّمة بالعملات الأجنبية (اليوروبوند) ارتفاعاً لافتاً، وبلغت أعلى مستوياتها منذ ست سنوات، تحديداً منذ تخلّف الدولة عن السداد في آذار 2020. هذا الارتفاع اعتُبر مؤشراً على “عودة الثقة” و”بداية التعافي”، لكن يبقى السؤال الأهم: ما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع؟
تحليل السوق الحالية
في أسواق الديون المتعثرة، لا تعكس الحركة السعرية دائماً تحسناً فعلياً في الأساسيات الاقتصادية أو المالية. في كثير من الأحيان، تكون هذه الحركات نتيجة مضاربات على الأخبار، خاصة في ظل ضيق السوق، محدودية السيولة، ونقص المعلومات. هنا يصبح “الخبر” نفسه مادة للتداول، مثل مسودات القوانين أو التصريحات السياسية.
في الحالة اللبنانية الحالية، يسبق الارتفاع الفعلي في السندات أي تحوّل ملموس في بنية الأزمة. بين “رالي” السندات والإصلاح الفعلي، توجد فجوة كبيرة تتعلق بالشفافية، قابلية التطبيق، والالتزام السياسي.
سياسات وإصلاحات
الحديث عن مشروع قانون لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، مع إشارات سياسية عن “كسر الجمود” و”الالتزام بشروط صندوق النقد الدولي”، شكّل مادة للمضاربين. لكن ما تشهده الأسواق ليس إعادة تسعير مبنية على حسابات واضحة، بل هو رهان على الاحتمالات.
المستثمرون الذين يشترون اليوم لا يملكون تصوراً نهائياً عن حجم الخسائر، تسلسل الحقوق، أو الجدول الزمني لإعادة الهيكلة. إنهم يشترون “خياراً سياسياً”، وليس أداة دين ذات تدفقات نقدية معروفة.
تحديات وثغرات
السوق لا “تصدّق” الدولة اللبنانية، بل تستغل هشاشتها. بعد التعثر غير المنظّم في آذار 2020، انتقلت الحيازة إلى صناديق استثمار متخصصة بالديون المتعثرة، اشترت السندات بخصومات حادة لاصطياد الأرباح.
في حالات الإفلاس السيادي، ترتفع الأسعار أحياناً لأن بعض الصناديق ترى فرصة لتحقيق أرباح سريعة عبر المضاربة، وليس بالضرورة بناءً على تحسن اقتصادي فعلي.
الختام
الثقة في الأسواق تُبنى عندما تتحول النصوص إلى أثر فعلي، وعندما يصبح المسار غير قابل للارتداد مع كل تغيير سياسي أو أمني. ما نشهده اليوم هو تسعير للضبابية، وليس اختراقاً لها.
الخطر الأكبر أن يُساء فهم هذا الارتفاع داخلياً، كأن يُستخدم كدليل على نجاح السياسات أو كوسيلة ضغط إضافية على المودعين. في الواقع، السوق لا تُنقذ المودعين، ولا تُصلح المصارف، ولا تُعيد بناء الدولة.
السندات قد ترتفع أو تنخفض غداً، لكن مشكلة لبنان تظل أعمق بكثير: غياب المسار القانوني والمالي الواضح. من دون قانون ملزم، أرقام نهائية، وهيكلة عادلة، ستبقى كل ارتفاع مؤقتاً وكل تفاؤل هشاً.
* محمد فحيلي، باحث مقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت